منتديات التعليم الثانوي – العطاف –
 
الرئيسيةشريط الإدارةمكتبة الصورس .و .جالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 مع الرافعي تحت راية القرآن

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
سفير اللغة و الأدب
عضو ممتاز
عضو ممتاز


ذكر عدد الرسائل : 1085
العمر : 52
نقاط : 3312
تاريخ التسجيل : 29/07/2008

مُساهمةموضوع: مع الرافعي تحت راية القرآن   الخميس 30 أكتوبر 2008 - 20:28






مع الرافعي تحت راية القرآن
قراءة في كتاب (تحت راية القرآن – المعركة بين القديم والجديد)


فهذا كتاب جمع محاسن الأدب، ودقة البحث، وهيبة الغيرة على الدين والخلق. يأخذك في ركابه، فتنتقل بين ظلال هذه الثلاثة، منبهرا بجمال الأولى، مذعنا لإتقان الثانية، مطمئنا إلى سلامة القصد والسبيل في الثالثة.
ليس هذا كتابا يتغنى بجمال الطبيعة، أو يصدح بتغاريد الحب، أو ينشد حداء للعاشقين، ولكنه مع ذلك آية في البلاغة، وغاية في نصاعة اللفظ، ورقة المعاني.




بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
أما بعد
فهذا كتاب جمع محاسن الأدب، ودقة البحث، وهيبة الغيرة على الدين والخلق. يأخذك في ركابه، فتنتقل بين ظلال هذه الثلاثة، منبهرا بجمال الأولى، مذعنا لإتقان الثانية، مطمئنا إلى سلامة القصد والسبيل في الثالثة.
ليس هذا كتابا يتغنى بجمال الطبيعة، أو يصدح بتغاريد الحب، أو ينشد حداء للعاشقين، ولكنه مع ذلك آية في البلاغة، وغاية في نصاعة اللفظ، ورقة المعاني.
ثم إنه أيضا ليس كتابا يبحث ويناقش، ويعلل ويدرس، ويحقق ويحرر، ولكنه مع ذلك يدلك بالإشارة اليسيرة على مفاتيح ذهبية تحل بها إشكالات المباحث العلمية الدقيقة، ويرشدك بالطرفة الباسمة، والكلمة العابرة إلى بصيص النور في ضباب الإظلام القاتم.
ثم إنه بعد ذلك كله ليس كتابا شرعيا يفتي ويربط الأحكام بأدلتها في القرآن والسنة، ويعظ القلوب الغافلة عما يراد بها من مروق وانحلال، ولكنه مع ذلك ينضح بالغيرة الصافية على محارم الله أن ينتهكها سدنة الفكر الغربي المنحل؛ وتشرق في جنباته أنوار الحب الصادق لهذا الدين، وللغته التي لا قوام له إلا بها. أو قل إن شئت: هو جهاد تحت راية القرآن، يرجع فيه مؤلفه إلى دين متين، وإيمان راسخ.
وإذا كان لبّ الكتاب تلك المقالات التي دمغ بها الرافعي رحمه الله أستاذَ الجامعة المفتون بحضارة الغرب (طه حسين)، فإنه في مجمله ميدان معركة صاخبة طاحنة بين القديم والجديد، وبين أنصار هذا وأنصار ذاك.
والرافعي – عليه رحمة الله – لا يستنكف أن يُنبز بأنه من أنصار القديم، بل يثبت ذلك ويعتز به، ثم يسأل سؤال العارف عن ماهية هذا الجديد، وعن حقيقة ما يريده أنصاره والدعاة إليه؟
وعندما يمحص الرافعي حقيقة هذه الدعوة، ويسبر عمقها، فإنها لا تلبث أن تلقي له مقاليد أمرها في صورة أصلين جامعين يجهد أنصار الجديد أن يستروا نتنهما الخانق بقطرات من ماء الزهر يرشون بها ألفاظهم المتعفنة.
وأول هذين الأصلين أن أنصار الجديد دعاة هدم، ثم هدم ثم هدم. وليس لهم من عظمة البناء نصيب. فهم يقفزون كما تقفز الجرادة العرجاء، من هدم أصول اللغة، إلى هدم أساليب البيان، إلى هدم تراث الأمة، إلى هدم هيبة الدين في النفوس، بدعاوى باردة، وتكلفات سمجة.
فبعضهم يصرح للرافعي - رحمه الله – بأنه لو ترك في أسلوبه الجملة القرآنية والحديث الشريف لكان أجدى عليه، ولصار في الأدب مذهبا وحده. وهل هذا إلا صريح الهدم لأساليب الفصاحة، بحجة التجديد فيها؟ وكيف يكون التجديد في الأسلوب بقطع الوشيجة بأزكى أسلوب وأحلاه وأرفعه في مدارج الجمال؟
وآخر – وهو الاستاذ المأفون – يصرح بإنكار الشعر الجاهلي، ورد معظمه، ويتعلق في ذلك بأوهى من خيوط العناكب، وهو مع ذلك يظنها حبالا من البراهين متينة، أو قل: بهذا يريد أن يقنع طلبته المساكين. وهل تقوم للعربية قائمة إذا انهدم هذا الصرح المنيع، وقام في موضعه خراب كئيب قد اختلطت فيه أحجارٌ من أساطير الغربيين وخرافات أسلافهم الوثنيين، بشيء من الملاط المنسوب إلى هؤلاء العصريين، لا يتعلق من العربية بنسب، ولا يمت إليها بسبب، إلا كما تتعلق سمادير السكران بعلم الذرة، أو خيالات الحالم بقواعد الفيزياء.
وذاك الدعي نفسه، يخرج مكنون صدره في كتابه القذر، فيصرح بإنكار ما لا ينكره إلا كافر بالقرآن العظيم، ويعلن ضرورة التجرد من الدين عند البحث العلمي، ولا يدع شيئا من مقدسات المسلمين، إلا تعرض لها برأيه الفائل، وفكره المريض، تشكيكا بلا دليل، وتمردا بشبهة الباطل على سلطة الحق المبين.
ثم إن هذا الهدم، لا يأتي بعده شيء من البناء، ولو أن يكون كوخا من قصب، يعوض به هؤلاء تلك القصور المنيفة التي يسعون إلى جعلها خرابا يبابا. ولذا يخاطب الرافعي هؤلاء الأدعياء فيقول (ص 53):
(لقد سئمت نفوسنا هذه الدعاوى الفارغة، فاعملوا ثم سموا عملكم، وصيدوا الدب ثم بيعوا للناس جلده، فلعلكم وأنتم تبيعون فروة دب لا تحصلون إلا على جلدة هرة).
حتى لقد بلغ الضعف العلمي بتلك الطائفة ومقدمها أستاذ الجامعة، أنهم إذ ينكرون الأساليب القديمة في التعبير والبيان، لا يأتون ببديل من الأسلوب الجديد، غير الطنطنة والتكرار، وجمود القريحة، وتبلد الحس.
يقول الرافعي (ص 17):
(وأشهد ما رأيتُ قط كاتبا واحدا من أهل ''المذهب الجديد'' يحسن شيئا من هذا الأمر، ولو هو أحسنه لانكشف له من إحسانه ما لا يبقي عنده شكا في إبطال هذا المذهب وتوهيته، ولذا تراهم يعتلون لمذهبهم الجديد بالفن والمنطق والفكر وبكل شيء إلا الفصاحة، وإذا فصحوا جاؤوا بالكام الفج الثقيل، والمجازات المستوخمة، والاستعارات الباردة، والتشبيهات المجنونة، والعبارات الطويلة المضطربة التي تقع من النفس كما تقع الكرة المنفوخة من الأرض لا تزال تنبو عن موضع إلى موضع حتى تهمد !).
وقد عرف الرافعي – رحمه الله – من طه حسين ذلك الضعف في ملكة التعبير، والنضوب في ملكة الكتابة، فاستهزأ ما شاء، وتهكم بالرجل وأسلوبه في الشعر والنثر، حتى لم يُبقِ في كيانه موضع ذرة لم يملأه بدواعي الخجل، لو أن الخجل يعرف إلى ذلك المفتون سبيلا.
فهو ينقل مثلا قول طه في بعض ما كتب (ص 81):
(نعم قصة المعلمين، فللمعلمين قصة وللمعلمين قضية، وكنا نحب ألا تكون للمعلمين قصة وألا تكون للمعلمين قضية، لأننا نربأ بمقام المعلمين عن أن تكون لهم قصة أو قضية، ولكن أراد الله ولا مرد لما أراد الله أن يتورط المعلمون في قصة، وأن يتورط المعلمون في قضية، ليست قضيتهم أمام المحاكم وإن كانت أوشكت في يوم من الأيام أن تصل إلى المحاكم، وليست قصتهم مفزعة مهلعة (كذا كذا) وإن كانت أوشكت في يوم من الأيام أن تكون مفزعة مهلعة).
ويعلق بعد ذلك قائلا:
(فهذه عشرة أسطر صغيرة دار ''المعلمين'' فيها عدد أيام الحسوم .. وحكيت ''القصة'' ست مرات، وكان ''للقضية'' ست جلسات، غير ما هنالك من مفزعة ومهلعة قد أفزعت وأهلعت مرتين وغير ما بقي مما هو ظاهر بنفسه... ).
ولا يترك الرافعي فرصة تمر دون أن يذكر القارئ بأن طه حسين لا يساوي في ميزان البلاغة شيئا، إن هو إلا التكرار الممل، والتفاصح المخزي، والتعالم المقيت. ويقول له فيما يقول (ص 86):
(على أني لو أردتُ أن آخذ معك في كتابتي هذا المأخذ لجعلتك تتلوى من الكلام المؤلم على مثل أسنان الإبر، ولاستقبلتك بما لا تدري معه أين تذهب ولا كيف تتوارى، كالإعصار الذي يأخذ عليك الجهات الأربع من آفاقها، أفأنت تقوم لي في باب الاستعارة والمجاز والتشبيه؟).
ما أُشَبّه هذا إلا بالذي يذبح الشاة المسكينة المضطربة، ثم يضع قدمه على صفحة عنقها، ويقول في نشوة الظافر: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت لكان لي فيكِ نكاية أشد من هذا الذي أنت فيه) ! وهل تركتَ – أيها الأديب الجليل – في ذاك المسكين موضعا للزيادة، وقد ابتلي منك بما أذهله عن صُبابة فكره الحائر، وأغرز في فتنته أنياب المنايا الزرق، لو أن للمنايا أنيابا؟
وقد ذكرني صنيع الرافعي – رحمه الله - هنا بصنيعه مع الجبار في سفوده الذي وضعه له، مخصوصا به، فقد شواه هنالك على نار حامية في حرها، هادئة في وهجها، فما ترك فيه موضعا لفخر، ولا مكانا لجبروت.
وبالجملة، فإن طه حسين ومن معه يدعون إلى جديد لا طعم له، غير مرارة العلقم، ويهدمون قديما هو الطعم اللذيذ كله، والجمال الآسر كله، ومجامع الحسن كلها.
أما الأصل الثاني الذي يرجع إليه أنصار الجديد، ويمتحون من ثماده فهو التعلق بأهداب الغرب، فيما يأتي وما يذر. فهم قد ارتضعوا لبان الغرب، حتى أتخموا، فلم يعد لطعم التراث العربي في أفواههم مساغ.
وقديما قال أبو الطيب في مثل هذا:
ومن يك ذا فم مر مريض = يجد مرا به الماء الزلالا
ثم إن هؤلاء، لم يروضوا أنفسهم بتذوق الشعر العربي القديم، ولم يرجعوا في ذلك إلى فهم ثاقب، ولا إلى ملكة فنية راسخة. فاجتمع في قلوبهم المريضة الجهل بمحاسن القديم، والافتتان بنتاج الغرب الذي يسمونه جديدا، فضلوا الطريق من حيث يحسبون أنهم يحسنون صنعا.
وليت إعجابهم بالغرب الكافر، يكون محصورا في إعجاب بأسلوب في الأدب مستحدث، أو طريقة في الشعر مبتدعة، إذن لهان الأمر قليلا، ولأمكن رقع ذلك الخرق بأقل جهد، وأيسر معالجة. ولكن الأمر – في صميمه - افتتان بالغرب من حيث هو، أي بالغرب كله، حتى بالقذارات التي في بطون أهله، كما صرح بذلك عميدهم.
وإذا كان الغرب قد اطرح الكنيسة، وألغى وجودها العملي في الاجتماع والسياسة، فإن أنصار الجديد يطالبوننا بأن نلغي ديننا وأخلاقنا وقيمنا الثقافية والحضارية، ونتجرد من ذلك كله، لنكون أحرارا من القيود كلها، عند ممارسة البحث العلمي.
وإذا كان الغرب يشك في المسلمات والثوابت العقدية، ويتخذ الشك مطية للوصول إلى ما يشبه برد اليقين(1)، فإن أنصار الجديد ينتظرون منا أن نشك في ما يقصه علينا القرآن، وأن نشك في الذي يحدثنا به نبينا صلى الله عليه وسلم، وأن نشك في وجود أشخاص قد كانوا في تاريخنا القديم؛ وأن نشك في كل شيء، إلا في أن الغرب إله لنا من دون الله، يستحق الطاعة والاتباع والعبادة !
والرافعي – عليه رحمة الله – لم يجمجم ولم يداهن، ولم يتبع طرائق السياسيين في قول بعض ما يرون، وإخفاء أضعاف ذلك، حرصا على وحدة موهومة، أو مودة مزعومة. بل أعلن برأيه في هؤلاء القوم صراحةً في مواضع متفرقة من كتابه، وأظهر كفرهم وزندقتهم، وأنهم يؤولون في رأيهم إلى إنكار الدين، والتفصي من الأحكام الإلهية.
وما أجمل قوله (ص 52):
(ولأقل لك في صراحة إن مساجد القاهرة ترى ألف سائح كل سنة ولا ترى في السنة كلها واحدا من أهل الجديد، فهذا هو مرد تلك النزعة).
وينكر على هؤلاء القوم سوء أدبهم مع النبي صلى الله عليه وسلم، فيقول (ص164):
(وأما رأيه في النبي صلى الله عليه وسلم فمن أعجب ما عجبنا له أنه ما من عالم أو كاتب مسلم يذكره صلى الله عليه وسلم إلا صلى عليه أو وضع رمز الصيغة ولو هذا الحرف وترى كتاب المسيحية يأخذون بهذا الأدب في كتبهم العربية، لأن المسلمين يقرأونها؛ أما أستاذ الجامعة فكأنه لا يتولى النبي صلى الله عليه وسلم ولا يحس عظمته ولا أثره، فقد ذكره في كتابه مرارا تفوت العد فلم يتأدب معه ولا مرة واحدة، فلا بعقيدة المسلمين أخذ، ولا بمجاملة المسيحيين اقتدى، بل طريقته هي طريقة المبشرين بعينها، ..)(2).
وكم من رأي يجهد صاحبه في ستره، بزخرف من القول، ومنمق من الحيل، ثم لا يلبث أن يظهر جليا في بعض الكلام، مما يقال أو يترك، فيذر صاحبه كالعريان، الذي يرى الطائفون حوله سوأته، وليس يملك إلى تغطيتها سبيلا.
والرافعي في كتابه هذا، وفي كتابه الآخر الذي أرخ فيه لآداب العرب(3)، يظهر من سعة الاطلاع، وطول الباع، في علوم اللغة والأدب، ما يقسر القارئ على الإذعان لرأيه، والتسليم لعصارات فكره.
لكأن الرجل حين يتكلم في مسألة من دقائق اللغة، يقرأ في كتاب مفتوح، جامع لمسائل اللغة، ومباحثها العظيمة، يأخذ ما يشاء، ويذر ما يشاء.
ولكأنه حين يبحث منهجا أدبيا، أو طريقة من طرائق الشعر، قد تسنم قنة جبل شاهق، يطل على آداب العربية كلها، فهو يحكم عن علم، ويشهد عن معرفة دقيقة شاملة.
ويغذي هذه الإحاطةَ المعرفية الشاملة، عمق في التصور الفكري، ورسوخ في الحكمة الفلسفية، يصحبهما شدة نزع في توليد الأفكار، واستقصاء حقائق المعاني إلى الغاية التي ما بعدها غاية.
وهو إلى جانب ثقافته العربية، يرجع إلى معرفة طيبة بالثقافة الغربية، كما يظهر من نقده لبعض كلام (أناتول فرانس)، أو وصفه لحال (ألكسندر دوماس)، أو رده على المتحذلقين الذين يظنون أنفسهم سائرين على خطى بعض كتاب الغرب، وهم بعيدون عنهم، فكرا وأسلوبا ومنهجا أدبيا، بعد السماء عن الأرض.
أما أسلوب الرافعي في كتابه، فهو أسلوب الرافعي وحسب !
ومهما أردتُ أن أثني بخير ما يكون الثناء، أو أصف بأبلغ ما يكون الوصف، فلن أزيد بعد لأي من القول، وجهد من الفكر، على أن أقول: هو أسلوب الرافعي في أبهى ما يكون من صور الجمال والنصاعة والقوة.
ولو كان لي من الأمر شيء، لأمرتُ مدرسي اللغة العربية أن يجعلوا للناشئة وردا مقررا من كتابات الرافعي(4)، يقرأون فيها سلسبيلا عذبا نميرا من رقيق القول، ورشيق التعبير الفني. ولما شغلتُ أذهانهم بأقوام تصدروا مناصب الأدب العربي، وهم من معرفة هذا الأدب، أقل من القليل، بل أفرغ من صفر.
ولذلك تجد العامة الذين مروا بشيء يسير من الأدب وتراجم أعلامه، خلال دراستهم النظامية في المدارس، يعرفون – ولو بالاسم فحسب – أمثال طه حسين والشابي؛ أما الرافعي وأضرابه من أهل الأدب حقا، والفكر السليم صدقا، فلا يعرفون عن وجودهم شيئا، فضلا عن أن يرفعوا بنتاجهم الأدبي رأسا.
وللرافعي – رحمه الله – أساليب في السخرية والتهكم، تذكرني في بعض المواضع بابن الرومي في سخريته اللاذعة، التي يستغرق بها أهاجيه، مع كثير من الإقذاع والفحش. أما الرافعي، فسخريته سامية رفيعة، لكنها حادة كأنياب القرش، ما تترك من الجسد الذي تخترقه، سوى لحم ممزع، على وضم قاني اللون.
كذا تصورتُ المسكين طاحين(5) عندما ينشب فيه الرافعي أظافر سخريته !
ومن أجمل ما يستعمله الرافعي – رحمه الله – في أسلوبه إيضاحا للفكرة، وتثبيتا لجذورها في نفس القارئ، ضرب الأمثال. فلا تكاد تخلو فكرة مستحدثة يعرضها للقارئ من مثل يجعله بإزائها، كالصورة التي يستند إليها المعلم في شرح نص من نصوص اللغة لتلامذته.
وقد بلغ الرافعي الغاية في هذه الأمثال المضروبة، في ما يسميه نسخة قديمة له من كتاب (كليلة ودمنة)، يرجع إليها بين الفينة والأخرى، فيستخرج منها مثلا، بل أمثالا، يضربها لما هو بصدد نقده من الجامعة، ومديرها، وأستاذ الأدب فيها.
وقد ذكرني هذا النهج المستحدث من النثر الفني الراقي، بما سماه الشيخ أبو فهر (مذكرات عمر بن أبي ربيعة)، ونشر منها مجموعة من المقالات الساحرة. على أن بينهما من الفرق في الأسلوب، ما بين أسلوب ابن المقفع في كتابته، وأساليب العرب في تخاطبهم خلال العهد الإسلامي الأول، الذي كان يعيش فيه عمر بن أبي ربيعة. فللرافعي وأبي فهر – رحمهما الله – من الاقتدار الأدبي، ما يجعلهما يتقمصان أسلوبا قديما يتكلفانه، ثم لا يظهر فيه من أثر التكلف أدنى وصمة.
ومن أمثلة ذلك، أن الرافعي يتكلف السجع في بعض ما يكتبه(6) – وهو نادر إذا قيس بغيره – ثم لا يكون إلا سجعا رائقا، ليس فيه برودة الصنعة، ولا سماجة المعالجة اللفظية.
وهذه علامة الكاتب البليغ، الذي بلغ في الكتابة مبلغ الإتقان، بما هو قريب من الكمال.
والرافعي الفيلسوف الحكيم، والأديب الناقد، له في كتابه هذا آراء تستحق أن تتناول بالبحث والتمحيص، وفاقا أو خلافا.
فمن ذلك رأيه في أن تعلم اللغات الأجنبية، وإلقاء العلوم الحديثة بها، أولى من التعريب. يقول رحمه الله (ص 48):
(فإن الزمن الذي تعرب فيه الكتب أو تمصر ثم تطبع وتنشر ثم تقرأ وتدرس لا يذهب باطلا إذا هو ذهب في تعليم لغة أجنبية من لغات العلوم والفنون محققة وتربح معها فضلا كبيرا، وأن تربح إلى لغتها لغة أخرى برمتها وتجمع إليها آدابها وفوائدها، وهذا ما لا يتيسر بعضه إذا مصرنا العربية لتلك الغاية التي زعموا وما يطلبون بها من الكفاية والإصلاح).
وهذه فكرة جديرة بالتأمل، والرافعي لم يزد على أن أشار إليها إشارة باهتة، ولا أدري إن كان قد بسط القول فيها في موضع آخر من كتبه.
ومن ذلك أن له في عمر بن أبي ربيعة رأيا، حريا بالتدبر، والمقارنة بالذي قاله غيره من أهل النقد الأدبي. يقول - رحمه الله – (ص 228):
(.. وإني مع ذلك لا أرى أثقل ولا أبرد ولا أسمج من شعر ابن أبي ربيعة هذا حين يفضح النساء ويقول في شعره: قلت لها وقالت لي، وكان مني كذا وكان منها كذا. وما هو عندي بفن؛ بل خلق سافل وطبع غوي ونفس عاهرة، بل هو فن هجو النساء إذ كان ابن أبي ربيعة لا يحسن مدح رجل ولا هجوه، فسقط من هذه الناحية ليرتفع من الناحية التي تقابلها في النساء، فكأنه ارتفع بقوتين؛ ثم أراد الرجل أن يسير شعر في الأفواه ولا أسير من أخبار النساء وأحاديثهن، فهذا هذا.
الخ).
وتعجبني غضبة الرافعي – رحمه الله – على من يقول في عصره: (لك مذهبك ولي مذهبي، ولك لغتك ولي لغتي)، فيقول لهم (ص13-14):
(فمتى كنت يا فتى صاحب اللغة وواضعها ومنزل أصولها ومخرج فروعها وضابط قواعدها ومطلق شواذها؟ ومن سلم لك بهذا حتى يسلم لك حق التصرف ''كما يتصرف المالك في ملكه''، وحتى يكون لك من هذا حق الإيجاد، ومن الإيجاد ما تسميه أنت مذهبك ولغتك؟ ..)
لكأن هذا الألمعي يخاطب أقواما في عصرنا هذا، يتخذون اللغة مرتعا مستباحا لأفكارهم التي يسمونها تجديدا. وهل يكون تجديد بغير ضوابط، تكون له كالصوى التي يهتدى بها في الطريق؟ وهل التجديد بغيرها إلا كالجواد الجموح الذي ليست له أرسان تكبحه وتخفف من غلوائه؟
وفي مثلهم أقولُ:
صارت الفصحى مرتعا مستباحا = كل غر يرعى به مُرتاحا
قد تولى الإفساد في لغة القر = آنِ من حيث يدعي الإصلاحا
يفسد اللفظ والمعاني ! أليستْ = للكلام الأبدانَ والأرواحا؟
وللمؤلف كلمات نافعة عن العلاقة بين الدين والعلم (ص 272)، ومقالة متكاملة عن الحضارة الغربية(ص274 – 279)، وحقيقة ما يوجد تحت تطريتها من البهرج الذي لا ينفق إلا على مفتون.




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://www.musbene.blogs.fr
 
مع الرافعي تحت راية القرآن
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
التعليم الثانوي بالعطاف ::  الأدب العــــــــــــربي  ::  مواضيــع عـــــامــــة -
انتقل الى: